قديم 06-30-2012, 04:49 AM   #1
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,960
افتراضي ]التقليد في العقيدة


التقليد في العقيدة

الكاتب: ياسين بن علي

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

1. شرح مفردات

• التقليد: هو العمل بقول الغير من غير حجة ملزمة أو هو اعتقاد صحة قول الغير على وجه الجزم من غير النظر فيه أي من غير أن يعرف دليله.

• العقيدة: "مأخوذة من العقد بمعنى اللي، يقول القائل: عقدت الحبل فهو معقود، فهذا في الحسيات، وأما في المعنويات فمعناها التعهد والالتزام... والعقيدة هي الحكم الذي لا يقبل الشك في نظر معتقده، كما قال الجوهري"(1). والمشهور في تعريفها اصطلاحا أنّها التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل.

2. مناط البحث

ينصبّ بحثنا هنا على مسألة التقليد في العقيدة، ونعني التقليد في العقيدة الإسلامية بخاصة. فهل يجوز للإنسان أن يأخذ العقيدة الإسلامية أي يؤمن بالله والرسل والكتب وغير ذلك دون إمعان للنظر ودون تفكر وإقامة برهان على صدق ما آمن به واعتقده؟ وبعبارة أخرى هل نقول بإيمان من أخذ عقيدته الإسلامية تقليدا لأبويه أو تقليدا لمجتمع نشأ فيه دون أن يكلّف نفسه عناء البحث في صدق هذه العقيدة وإقامة البرهان لنفسه على أنّها الحقّ وما عداها الباطل؟

3. أقوال أهل العلم في المسألة

- قال أبو الفضل الآلوسي: "قال سبحانه وإذا قيل لهم أي لمن يجادل والجمع باعتبار المعنى أتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا يريدون عبادة ما عبدوه من دون الله عز وجل وهذا ظاهر في منع التقليد في أصول الدين والمسألة خلافية فالذي ذهب إليه الأكثرون ورجحه الإمام الرازي والآمدي أنه لا يجوز التقليد في الأصول بل يجب النظر والذي ذهب إليه عبيد الله بن الحسن العنبري وجماعة الجواز وربما قال بعضهم إنه الواجب على المكلف وإن النظر في ذلك والاجتهاد فيه حرام وعلى كل يصح عقائد المقلد المحق وإن كان آثما بترك النظر على الأول وعن الأشعري أنه لا يصح إيمانه وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري: هذا مكذوب عليه لما يلزمه تكفير العوام وهم غالب المؤمنين والتحقيق أنه إن كان التقليد أخذا لقول الغير بغير حجة مع احتمال شك ووهم بأن لا يجزم المقلد فلا يكفي إيمانه قطعا لأنه لا إيمان مع أدنى تردد فيه وإن كان لكن جزما فيكفي عند الأشعري وغيره خلافا لأبي هاشم في قوله لا يكفي بل لا بد لصحة الإيمان من النظر وذكر الخفاجي أنه لا خلاف في امتناع تقليد من لم يعلم أنه مستند إلى دليل حق وظاهر ذم المجادلين بغير علم ولا هدى ولا كتاب أنه يكفي في النظر الدليل النقلي الحق كما يكفي فيه الدليل العقلي"(2).
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-22-2013, 04:04 PM   #2
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,960
افتراضي


- وقال ابن حجر العسقلاني: "وإنما اختلفوا فيما إذا كان الاعتقاد موافقا لكن عن غير دليل فمنهم من قال إن صاحبه مؤمن عاص بترك النظر الواجب ومنهم من اكتفى بمجرد الاعتقاد الموافق وان لم يكن عن دليل وسماه علما وعلى هذا فلا يلزم من حصول المعرفة بهذا الطريق وجوب النظر وقال غيره من منع التقليد وأوجب الاستدلال لم يرد التعمق في طرق المتكلمين بل اكتفى بما لا يخلو عنه من نشأ بين المسلمين من الاستدلال بالمصنوع على الصانع وغايته أنه يحصل في الذهن مقدمات ضرورية تتألف تألفا صحيحا وتنتج العلم لكنه لو سئل كيف حصل له ذلك ما اهتدى للتعبير به وقيل الأصل في هذا كله المنع من التقليد في أصول الدين وقد انفصل بعض الأئمة عن ذلك بأن المراد بالتقليد أخذ قول الغير بغير حجة ومن قامت عليه حجة بثبوت النبوة حتى حصل له القطع بها فمهما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم كان مقطوعا عنده بصدقه فإذا اعتقده لم يكن مقلدا لأنه لم يأخذ بقول غيره بغير حجة وهذا مستند السلف قاطبة في الأخذ بما ثبت عندهم من آيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بهذا الباب فآمنوا بالمحكم من ذلك وفوضوا أمر المتشابه منه إلى ربهم وإنما قال من قال إن مذهب الخلف احكم بالنسبة إلى الرد على من لم يثبت النبوة فيحتاج من يريد رجوعه إلى الحق أن يقيم عليه الأدلة إلى أن يذعن فيسلم أو يعاند فيهلك بخلاف المؤمن فإنه لا يحتاج في أصل إيمانه إلى ذلك وليس سبب الأول إلا جعل الأصل عدم الإيمان فلزم إيجاب النظر المؤدي إلى المعرفة بالبرهان وكل من خالف الله ورسوله فلا برهان له أصلا وإنما كلف الإتيان بالبرهان تبكيتا وتعجيزا وأما من اتبع الرسول فيما جاء به فقد اتبع الحق الذي أمر به وقامت البراهين على صحته سواء علم هو بتوجيه ذلك البرهان أم لا وقول من قال منهم إن الله ذكر الاستدلال وأمر به مسلم لكن هو فعل حسن مندوب لكل من أطاقه وواجب على كل من لم تسكن نفسه إلى التصديق كما تقدم تقريره وبالله التوفيق وقال غيره قول من قال طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم ليس بمستقيم لأنه ظن أن طريقة السلف مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه في ذلك وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات فجمع هذا القائل بين الجهل بطريقة السلف والدعوى في طريقة الخلف وليس الأمر كما ظن بل السلف في غاية المعرفة بما يليق بالله تعالى وفي غاية التعظيم له والخضوع لأمره والتسليم لمراده وليس من سلك طريق الخلف واثقا بأن الذي يتأوله هو المراد ولا يمكنه القطع بصحة تأويله وأما قولهم في العلم فزادوا في التعريف عن ضرورة أو استدلال وتعريف العلم (...) وقد توسط بعض المتكلمين فقال لا يكفي التقليد بل لا بد من دليل ينشرح به الصدر وتحصل به الطمأنينة العلمية ولا يشترط أن يكون بطريق الصناعة الكلامية بل يكفي في حق كل أحد بحسب ما يقتضيه فهمه انتهى والذي تقدم ذكره من تقليد النصوص كاف في هذا القدر وقال بعضهم المطلوب من كل أحد التصديق الجزمي الذي لا ريب معه بوجود الله تعالى والإيمان برسله وبما جاؤوا به كيفما حصل وبأي طريق إليه يوصل ولو كان عن تقليد محض إذا سلم من التزلزل قال القرطبي هذا الذي عليه أئمة الفتوى ومن قبلهم من أئمة السلف واحتج بعضهم بما تقدم من القول في أصل الفطرة وبما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة أنهم حكموا بإسلام من أسلم من جفاة العرب ممن كان يعبد الأوثان فقبلوا منهم الإقرار بالشهادتين والتزام أحكام الإسلام من غير إلزام بتعلم الأدلة وان كان كثير منهم إنما أسلم لوجود دليل ما فأسلم بسبب وضوحه له فالكثير منهم قد أسلموا طوعا من غير تقدم استدلال بل بمجرد ما كان عندهم من أخبار أهل الكتاب بأن نبيا سيبعث وينتصر على من خالفه فلما ظهرت لهم العلامات في محمد صلى الله عليه وسلم بادروا إلى الإسلام وصدقوه في كل شيء قاله ودعاهم إليه من الصلاة والزكاة وغيرهما وكثير منهم كان يؤذن له في الرجوع إلى معاشه من رعاية الغنم وغيرها وكانت أنوار النبوة وبركاتها تشملهم فلا يزالون يزدادون إيمانا ويقينا وقال أبو المظفر بن السمعاني أيضا ما ملخصه أن العقل لا يوجب شيئا ولا يحرم شيئا ولا حظ له في شيء من ذلك ولو لم يرد الشرع بحكم ما وجب على أحد شيء لقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقوله لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وغير ذلك من الآيات فمن زعم أن دعوة رسل الله عليهم الصلاة والسلام إنما كانت لبيان الفروع لزمه أن يجعل العقل هو الداعي إلى الله دون الرسول ويلزمه أن وجود الرسول وعدمه بالنسبة إلى الدعاء إلى الله سواء وكفى بهذا ضلالا ونحن لا ننكر أن العقل يرشد إلى التوحيد وإنما ننكر أنه يستقل بإيجاب ذلك حتى لا يصح إسلام إلا بطريقه مع قطع النظر عن السمعيات لكون ذلك خلاف ما دلت عليه آيات الكتاب والأحاديث الصحيحة التي تواترت ولو بالطريق المعنوي ولو كان كما يقول أولئك لبطلت السمعيات التي لا مجال للعقل فيها أو أكثرها بل يجب الإيمان بما ثبت من السمعيات فإن عقلناه فبتوفيق الله وإلا اكتفينا باعتقاد حقيته على وفق مراد الله سبحانه وتعالى انتهى ويؤيد كلامه ما أخرجه أبو داود عن ابن عباس أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنشدك الله آلله أرسلك أن نشهد أن لا إله إلا الله وأن ندع اللات والعزى قال نعم فأسلم ...........
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-22-2013, 04:05 PM   #3
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,960
افتراضي


وأصله في الصحيحين في قصة ضمام بن ثعلبة وفي حديث عمرو بن عبسة عند مسلم أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما أنت قال نبي الله قلت آلله أرسلك قال نعم قلت بأي شيء قال أوحد الله لا أشرك به شيئا الحديث وفي حديث أسامة بن زيد في قصة قتله الذي قال لا إله إلا الله فأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم وحديث المقداد في معناه وقد تقدما في كتاب الديات وفي كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل وكسرى وغيرهما من الملوك يدعوهم إلى التوحيد إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة التواتر المعنوي الدال على أنه صلى الله عليه وسلم لم يزد في دعائه المشركين على أن يؤمنوا بالله وحده ويصدقوه فيما جاء به عنه فمن فعل ذلك قبل منه سواء كان إذعانه عن تقدم نظر أم لا ومن توقف منهم نبهه حينئذ على النظر أو أقام عليه الحجة إلى أن يذعن أو يستمر على عناده وقال البيهقي في كتاب الاعتقاد سلك بعض أئمتنا في إثبات الصانع وحدوث العالم طريق الاستدلال بمعجزات الرسالة فإنها أصل في وجوب قبول ما دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا الوجه وقع إيمان الذين استجابوا للرسل ثم ذكر قصة النجاشي وقول جعفر بن أبي طالب له بعث الله إلينا رسولا نعرف صدقه فدعانا إلى الله وتلا علينا تنزيلا من الله لا يشبهه شيء فصدقناه وعرفنا أن الذي جاء به الحق الحديث بطوله وقد أخرجه بن خزيمة في كتاب الزكاة من صحيحه من رواية بن إسحاق وحاله معروفة وحديثه في درجة الحسن قال البيهقي فاستدلوا بإعجاز القرآن على صدق النبي فآمنوا بما جاء به من إثبات الصانع ووحدانيته وحدوث العالم وغير ذلك مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن وغيره واكتفاء غالب من اسلم بمثل ذلك مشهور في الأخبار فوجب تصديقه في كل شيء ثبت عنه بطريق السمع ولا يكون ذلك تقليدا بل هو إتباع والله اعلم وقد استدل من اشترط النظر بالآيات والأحاديث الواردة في ذلك ولا حجة فيها لأن من لم يشترط النظر لم ينكر أصل النظر وإنما أنكر توقف الإيمان على وجود النظر بالطرق الكلامية إذ لا يلزم من الترغيب في النظر جعله شرطا واستدل بعضهم بأن التقليد لا يفيد العلم إذ لو أفاده لكان العلم حاصلا لمن قلد في قدم العالم ولمن قلد في حدوثه وهو محال لإفضائه إلى الجمع بين النقيضين وهذا إنما يتأتى في تقليد غير النبي صلى الله عليه وسلم وأما تقليده صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به عن ربه فلا يتناقض أصلا واعتذر بعضهم عن اكتفاء النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة بإسلام من أسلم من الأعراب من غير نظر بأن ذلك كان لضرورة المبادئ وأما بعد تقرر الإسلام وشهرته فيجب العمل بالأدلة ولا يخفى ضعف هذا الاعتذار والعجب أن من اشترط ذلك من أهل الكلام ينكرون التقليد وهم أول داع إليه حتى استقر في الأذهان أن من أنكر قاعدة من القواعد التي أصلوها فهو مبتدع ولو لم يفهمها ولم يعرف مأخذها وهذا هو محض التقليد فآل أمرهم إلى تكفير من قلد الرسول عليه الصلاة والسلام في معرفة الله تعالى والقول بإيمان من قلدهم وكفى بهذا ضلالا وما مثلهم إلا كما قال بعض السلف أنهم كمثل قوم كانوا سفرا فوقعوا في فلاة ليس فيها ما يقوم به البدن من المأكول والمشروب ورأوا فيها طرقا شتى فانقسموا قسمين فقسم وجدوا من قال لهم أنا عارف بهذه الطرق وطريق النجاة منها واحدة فاتبعوني فيها تنجوا فتبعوه فنجوا وتخلفت عنه طائفة فأقاموا إلى أن وقفوا على إمارة ظهر لهم أن في العمل بها النجاة فعملوا بها فنجوا وقسم هجموا بغير مرشد ولا أمارة فهلكوا فليست نجاة من اتبع المرشد بدون نجاة من أخذ بالإمارة أن لم تكن أولى منها ونقلت من جزء الحافظ صلاح الدين العلائي يمكن أن يفصل فيقال من لا له أهلية لفهم شيء من الأدلة أصلا وحصل له اليقين التام بالمطلوب إما بنشأته على ذلك أو لنور يقذفه الله في قلبه فإنه يكتفى منه بذلك ومن فيه أهلية لفهم الأدلة لم يكتف منه إلا بالإيمان عن دليل ومع ذلك فدليل كل أحد بحسبه وتكفي الأدلة المجملة التي تحصل بأدنى نظر ومن حصلت عنده شبهة وجب عليه التعلم إلى أن تزول عنه قال فبهذا يحصل الجمع بين كلام الطائفة المتوسطة وأما من غلا فقال لا يكفي إيمان المقلد فلا يلتفت إليه لما يلزم منه من القول بعدم إيمان أكثر المسلمين وكذا من غلا أيضا فقال لا يجوز النظر في الأدلة لما يلزم منه من أن أكابر السلف لم يكونوا من أهل النظر..."(3).
__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-22-2013, 04:07 PM   #4
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 12,960
افتراضي


- وقال الشيرازي: "التقليد في أصول الديانات لا يجوز. وقال بعض الناس يجوز ذلك وحكي ذلك عن عبد الله بن الحسن العنبري"(4).

- وقال الرازي: "مسألة: لا يجوز التقليد في أصول الدين لا للمجتهد ولا للعوام وقال كثير من الفقهاء بجوازه"(5).

- وقال اللقاني في جوهرته:

إذ كلّ من قلّد في التوحيد *** إيمانه لم يخل من ترديد

ففيه بعض القوم يحكي الخُلْفا *** وبعضهم حقّق فيه الكشفا

فقال: إن يجزم بقول الغير *** كفى وإلاّ لم يزل في الضير

- وقال البيجوري في شرح الجوهرة: "وحاصل الخلاف فيه أقوال ستة، الأول: عدم الاكتفاء بالتقليد بمعنى عدم صحة التقليد فيكون المقلد كافرا، وعليه السنوسي في الكبرى. الثاني: الاكتفاء بالتقليد مع العصيان مطلقا أي سواء كان فيه أهلية للنظر أم لا. الثالث: الاكتفاء به مع العصيان إن كان فيه أهلية للنظر وإلا فلا عصيان. الرابع: أن من قلد القرآن والسنة القطعية صح إيمانه لإتباعه القطعي، ومن قلد غير ذلك لم يصح إيمانه لعدم أمن الخطأ على غير المعصوم. الخامس: الاكتفاء به من غير عصيان مطلقا؛ لأن النظر شرط كمال فمن كان فيه أهلية النظر ولم ينظر فقد ترك الأولى. السادس: أن إيمان المقلد صحيح ويحرم عليه النظر، وهو محمول على المخلوط بالفلسفة"(6).

4. الرأي الراجح في المسألة

إنّ المتتبع للخطاب القرآني يجد أن الله سبحانه وتعالى قد طلب من عباده أن يؤمنوا به، كما يجد أيضا أنه سبحانه قد طلب من عباده أن يتفكروا في مخلوقاته وعظيم قدرته ونعى على قوم إتباعهم الآباء وتقليدهم.

فقوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (136)} (النساء)، وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (170) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (171)} (النساء)، وقوله: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)} (آل عمران).

وقوله: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)} (الأعراف)، كلّ هذا يدلّ على أنّ الله سبحانه وتعالى قد طلب من عباده الإيمان أي التصديق الجازم، فإن تحقّق هذا التصديق الجازم والإيمان بما يجب الإيمان به، فقد تحقّق الطلب وعدّ الإنسان مؤمنا بلا ريب؛ فالله قد طلب من عبده الإيمان فاستجاب لطلبه وآمن، لذلك يقال عنه إنه مؤمن بغضّ النظر عن كيفية التوصل إلى هذا الإيمان وتحصيله، أي هل قلّد فيه أم أعمل الفكر أم غير ذلك.

إلا أنّه قد وردت آيات أخرى تحثّ على التفكر والتعقّل وتنهى عن التقليد وتذمّه، منها قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (170)} (البقرة)، وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (104)} (المائدة)، وقوله: {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)} (الغاشية). لذلك فإن الإنسان مثلما طلب منه الإيمان، طلب منه التفكر واجتناب التقليد، فإن آمن تقليدا ودون تفكر، فإيمانه صحيح؛ لأنّه حقّق الطلب، إلا أنّه آثم لأنّه لم يعمل بالمطلب الثاني وهو التفكر وعدم التقليد. ويكفي المؤمن هنا تفكر مرّة حتى يخرج من الإثم ويجتنب التقليد.

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام، أننا لا نريد بالتفكر هنا الخوض في علم الكلام والغوص في المنطق، فإن ذلك ليس من التفكر المطلوب وإن قال به بعضهم، وكل ما نريده من قولنا التفكر هو ما درج عليه الناس بطبعهم وسجيتهم من استعمال عقلهم وإن اختلفت مستويات فهمهم وتدبرهم وحجاجهم. وقد غلا بعض الناس في هذا حتى ظنّ أن المفكر من أتقن علم الكلام وعلم الفلسفة وضبط المنطق، وهو أمر غير مقصود للشارع من طلبه التفكّر، ولا يكلّف الناس إلا بما قدروا عليه واستطاعوه.

ولا يفوتنا في هذا المقام التذكير بمسألة خطيرة ألا وهي واجب الخاصة. فالواجب على الخاصة ممن يظنّ أن إيمانهم مبني على تدبّر وتفكر وبراهين أن لا يفتشوا في قلوب العامة وعقولهم، هل آمنوا تقليدا أم تفكّرا، بل عليهم أن يدلّوهم إلى الطريق القويم بتعليمهم وحثّهم على إعمال النظر وتقريب الأدلة لهم وتبسيط البراهين حتى تعقلها عقولهم. فما أمرنا بالتفتيش في عقول الناس وقلوبهم، وما أمرنا بأن نفتن الناس عن دينهم بتصعيب المسائل وتعقيدها، بل أمرنا أن نبيّن لهم الحقّ بكيفية سهلة، فنخاطبهم بما يفهمون، ونأخذ بيدهم لتثبيت هذا الحقّ في قلوبهم وعقولهم. والله أعلم.
_______________________________
(1) ينظر (في سبيل العقيدة الإسلامية)، للشيخ عبد اللطيف السلطاني، ص21-22.
(2) ينظر (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني)، ج 21 ص94.
(3) ينظر (فتح الباري)، ج 13 ص351-353.
(4) ينظر (التبصرة)، ج1 ص401.
(5) ينظر (المحصول)، ج6 ص125.
(6) ينظر (شرح جوهرة التوحيد)، ص34-35.

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:57 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.