قديم 09-23-2012, 05:13 PM   #1
طالب عوض الله
Super Moderator
 
الصورة الرمزية طالب عوض الله
 
تاريخ التسجيل: May 2012
المشاركات: 1,877
افتراضي في تكوين الشخصيات والقيادات الاسلامية


في تكوين الشخصيات والقيادات الاسلامية
__________________
أضواء على تربة رجال الدولة
سعيد بن الأسعد – فلسطين

إن البحث في معرفة رجال الدولة صفاتهم وتربتهم والمحافظة على تكثير سوادهم لهي أهم بداية للجدية في الاضطلاع بالمسؤولية عن خير أمة أخرجت للناس، وهي جدية في البحث عمن يحمل أعظم رسالة نزلت إلى الأرض من السماء للقيام بالحق وتحقيق قضية الإسلام. وأي مسيرة في هذا المجال من المفترض أن تطرح نفسها على أنها القائد الرائد الذي لا يكذب أهله، والذي لا يتنكب رغم انفضاض الناس من حوله، كيف لا وهو جبل شامخ راسخ يؤوب إليه الناس كلما احتاجوا إلى ركن شديد يأوون إليه. فكان حرياً وواجباً حتمياً على السائرين في خط الريادة وتحمل مسؤولية الغير أن يتفطنوا إلى أنهم على أمر عظيم، وأنه لا بد لهم من صفات ومواصفات نادرة يتحلون بها وينبتون من بذرتها، ولا يشربون إلا من مواردها، ولا يتنفسون إلا من هوائها. ولكون الحاجة إلى مثل هؤلاء تتجدد مع الأجيال، وكثرتهم هي مبعث للطمأنينة والأمان، وللمحافظة على حمل الرسالة وإحسان حملها وتطبيقها وإظهارها على الدين كله، فكان لا بد من البحث عن السبيل لإيجادها والمحافظة عليها -أي التربة- ولتكثير سواد رجال الدولة في الأمة عبر أجيالها، وكان لابد من الإحاطة ببعض الضرورات اللازمة لوجودها وديمومتها في كل العصور وأهمها معرفة خصائصها.
إن خصائص الدولة وأهدافها ومكانتها بين الدول تحتمها مرتبتها في المسؤولية وهي التي تحدد طبيعة رجالها، فدول صغيرة عميلة رجالها -أي المحسوبون على الدولة- يتحلون بصفات كلها صغار وضعف وانهزام، فالتطاول على الناس وكسر هامتهم وإهانتهم وسرقة أموالهم وقطع طرقاتهم وانتهاك حرماتهم هي مواصفات لمثل هكذا رجال لهذه الدول. وعلى النقيض من ذلك دولة مبدئية صاحبة رسالة عالمية هي مشروع نهضة وخير عالمي تقتضي أن يكون حال رجالها بمواصفات عالية، القوي عندهم هو الضعيف حتى يؤخذ الحق منه، والضعيف هو القوي حتى يؤخذ الحق له، فالحق هو المتبع، ولو كان خصمهم ابن الأكرمين أخذ منه. فلا شفاعة في الحق و لا لين في نصرة الضعيف حتى يقوى بالحق. ورجل الدولة هذا ليست صفاته خَلْقية فحسب بل هي خلقية ومكتسبة معاً، فقوة الشخصية هي بالجرأة الفطرية والشجاعة والمثابرة وقوة الإرادة والصلابة، إلى جانب الفكر المستنير وخدمة الغير والوعي السياسي مع إلانة الجانب واستمداد العمق والسند من الأمة، والإقدام على خدمتها بكل ود وتواضع؛ لأن التواضع هو أرفع مرتبة عندهم، والمسؤولية هي أمانة ومشقة وهمّ ومهمة... وهي تقتضي قلق وسهر بالليل ومشغلة بالنهار، وهي قوة إرادة وسرعة بديهة وخفة التفاتة وانتباهة، وهي رجاحة عقل وفطنة، وهي حزم وحسم في وقته ومحله وشدة ولين بحسب حالته، وهي تجمع بين سوء الظن وحسنه، وإذا نامت العين برهة ظل القلب يقظاً والفكر نشطاً متقداً، ومع كل هذا فالقوة بالله والاستعانة به وحده والإخلاص الخالص له ورجاء القبول والنصر منه لا شريك له يبقى ديدن هؤلاء...
وبالمقابل فإن من أشد المخاطر والمهالك على رجل الدولة أن تغلب المشاعرُ العقلَ، فالعقل حَكَمٌ وقائد، وهو أعلى من المشاعر مكانة وأجدر قيادة، وهو محل الفهم والدراية والتمحيص، و به الحساب والإحاطة بالعواقب واستيعاب النوازل، وبه السبيل إلى الخروج والنجاة. والمشاعر تابعة للإشباع، وهي أحاسيس تتبع الأفعال والأقوال، فأنى للتابع أن يتبع؟ وأنى للضعيف أن يستقوى به؟‏ ‏ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) يَوْمًا صَلاةَ الْعَصْرِ بِنَهَارٍ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلا أَخْبَرَنَا بِهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، وَكَانَ فِيمَا قَالَ: إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، أَلا فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، وَكَانَ فِيمَا قَالَ: أَلا لا يَمْنَعَنَّ رَجُلاً هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا عَلِمَهُ، قَالَ: فَبَكَى أَبُو سَعِيدٍ فَقَالَ: قَدْ وَاللَّهِ رَأَيْنَا أَشْيَاءَ فَهِبْنَا، فَكَانَ فِيمَا قَالَ: أَلا إِنَّهُ يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ، وَلا غَدْرَةَ أَعْظَمُ مِنْ غَدْرَةِ إِمَامِ عَامَّةٍ يُرْكَزُ لِوَاؤُهُ عِنْدَ إسْتِهِ، فَكَانَ فِيمَا حَفِظْنَا يَوْمَئِذٍ: أَلا إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى، فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَا مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَا كَافِرًا وَيَمُوتُ كَافِرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَا مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ كَافِرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَا كَافِرًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا، أَلا وَإِنَّ مِنْهُمْ الْبَطِيءَ الْغَضَبِ سَرِيعَ الْفَيْءِ، وَمِنْهُمْ سَرِيعُ الْغَضَبِ سَرِيعُ الْفَيْءِ، فَتِلْكَ بِتِلْكَ، أَلا وَإِنَّ مِنْهُمْ سَرِيعَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الْفَيْءِ، أَلا وَخَيْرُهُمْ بَطِيءُ الْغَضَبِ سَرِيعُ الْفَيْءِ، أَلا وَشَرُّهُمْ سَرِيعُ الْغَضَبِ بَطِيءُ الْفَيْءِ، أَلا وَإِنَّ مِنْهُمْ حَسَنَ الْقَضَاءِ حَسَنَ الطَّلَبِ، وَمِنْهُمْ سَيِّئُ الْقَضَاءِ حَسَنُ الطَّلَبِ، وَمِنْهُمْ حَسَنُ الْقَضَاءِ سَيِّئُ الطَّلَبِ، فَتِلْكَ بِتِلْكَ، أَلا وَإِنَّ مِنْهُمْ السَّيِّئَ الْقَضَاءِ السَّيِّئَ الطَّلَبِ، أَلا وَخَيْرُهُمْ الْحَسَنُ الْقَضَاءِ الْحَسَنُ الطَّلَبِ، أَلا وَشَرُّهُمْ سَيِّئُ الْقَضَاءِ سَيِّئُ الطَّلَبِ، أَلا وَإِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، أَمَا رَأَيْتُمْ إِلَى حُمْرَةِ عَيْنَيْهِ وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ؟ فَمَنْ أَحَسَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَلْصَقْ بِالأَرْضِ، قَالَ: وَجَعَلْنَا نَلْتَفِتُ إِلَى الشَّمْسِ هَلْ بَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَلا إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الدُّنْيَا فِيمَا مَضَى مِنْهَا إِلا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيمَا مَضَى مِنْهُ» (الترمذي وقال حديث حسن صحيح)
__________________

التعديل الأخير تم بواسطة طالب عوض الله ; 09-24-2012 الساعة 10:56 AM
طالب عوض الله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:38 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc. by Hatem

.: عداد زوار المنتدى ... انت الزائر رقم :.